ابن رشد
376
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
الأموال قائم العين بيده . الباب الخامس : بماذا تثبت هذه الجناية وأما بماذا يثبت هذا الحد فبالاقرار والشهادة ، ومالك يقبل شهادة المسلوبين على الذين سلبوهم . وقال الشافعي : تجوز شهادة أهل الرفقة عليهم إذا لم يدعوا لأنفسهم ولا لرفقائهم ما لا أخذوه ، وتثبت عند مالك الحرابة بشهادة السماع . فصل : في حكم المحاربين على التأويل وأما حكم المحاربين على التأويل ، فإن محاربهم الامام ، فإذا قدر على واحد منهم لم يقتل إلا إذا كانت الحرب قائمة ، فإن مالكا قال : إن للامام أن يقتله إن رأى ذلك لما يخاف من عونه لأصحابه على المسلمين . وأما إذا أسر بعد انقضاء الحرب ، فإن حكمه حكم البدعي الذي لا يدعو إلى بدعته ، فهو يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، وقيل : يستتاب فإن لم يتب يؤدب ولا يقتل ، وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل . واختلف قول مالك في التكفير بالمآل ومعنى التكفير بالمآل : أنهم لا يصرحون بقول هو كفر ، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم . وأما ما يلزم هؤلاء من الحقوق إذا ظفر بهم ، فحكمهم إذا تابوا أن لا يقام عليهم حد الحرابة ، ولا يؤخذ منهم ما أخذوا من المال إلا أن يوجد بيده فيرد إلى ربه . وإنما اختلفوا هل يقتل قصاصا بمن قتل ؟ فقيل : يقتل وهو قول عطاء وأصبغ ، وقال مطرف وابن الماجشون عن مالك : لا يقتل ، وبه قال الجمهور ، لان كل من قاتل على التأويل فليس بكافر بتة ، أصله قتال الصحابة ، وكذلك الكافر بالحقيقة هو المكذب لا المتأول . باب : في حكم المرتد والمرتد إذا ظفر به قبل أن يحارب ، فاتفقوا على أنه يقتل الرجل لقوله عليه الصلاة والسلام : من بدل دينه فاقتلوه واختلفوا في قتل المرأة وهل تستتاب قبل أن تقتل ؟ فقال الجمهور : تقتل المرأة ، وقال أبو حنيفة : لا تقتل وشبهها بالكافرة الأصلية . والجمهور اعتمدوا العموم الوارد في ذلك ، وشذ قوم فقالوا : تقتل وإن راجعت الاسلام . وأما الاستتاب فإن مالكا شرط في قتله ذلك على ما رواه عن عمر . وقال قوم : لا تقبل توبته . وأما إذا حارب المرتد ثم ظهر عليه فإنه يقتل بالحرابة ولا يستتاب ، كانت حرابته بدار الاسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب ، إلا أن يسلم . وأما إذا أسلم المرتد المحارب بعد أن أخذ أو قبل أن يؤخذ ، فإنه يختلف في حكمه ، فإن كانت حرابته في دار الحرب فهو عند مالك كالحربي يسلم لا تبعة في شئ مما فعل في حال ارتداده . وأما إن كانت حرابته في دار الاسلام ، فإنه يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصة ، وحكمه فيما جنى حكم المرتد إذا جنى في ردته في دار الاسلام ثم أسلم ، وقد اختلف أصحاب مالك فيه فقال : حكمه حكم المرتد من اعتبر يوم الجناية ، وقال : حكمه حكم المسلم من اعتبر يوم الحكم . وقد اختلف في هذا الباب في حكم الساحر ، فقال مالك : يقتل كفرا ، وقال قوم : لا يقتل ، والأصل أن لا يقتل إلا مع الكفر .